اعتياد اللامعتاد...


ما هو شعورك عندما ترى صورة معلقة على الحائط وبها ميل أو انحراف تجاه أحد الجوانب؟
هل تساورك حينها رغبة ملحة لتعديل وضعها؟

أو أن ترى أحد الأشخاص يتجاوز أو يتخطى آخرين واقفين في أحد الطوابير وكأن على رأسه ريشة ليقف في المقدمة؟
هل تقاوم رغبة ملحة لضربه على قفاه؟

وعندما تركب أحد المصاعد وتجد شخص أناني يدخن سيجارته بمنهتى التحدي لكل من حوله؟
أتشعر حينها برغبة في خطف السيجارة وإطفاءها في "منخيره"؟

ثم كيف يكون شعورك عندما ترى أحد الأسلاك وقد صارت به عقدة أو عقدتين بلا داعي؟
أتجد نفسك لاإرادياً ترغب في حل هذه العقدة؟

إن كان جوابك عن هذه الأسئلة جميعاً أو إحداها "بنعم" فأنت تشبه جمهور عريض من الناس الذين يؤرقهم و ويزعجهم اختلال الأنظمة والقوانين، وهو قطعاً أمر محمود لكنه وفي عصرنا الحالي صار أمر مرهق وقد يأتي لك بأمراض مثل الضغط والسكر وخلافه. ورغم علمي بأضرار هذه الصفات إلا أنني واحد ممن يتصفون بها، ولا أستطيع كبح زمام غضبي عندما أرى تصرف فيه انتهاك لقانون أو نظام، ولكُم أن تتخيلوا كيف تكون الحياة في عصر تاهت في القيم واختلط فيه الحابل بالنابل وصار الأبيض أسود والأسود أبيض واليمين يسار واليسار يمين!

بالطبع وسط كل هذا أجدني لا أكف عن التذمر ورفض مثل هذه الأحوال حتى البسيط منها ولم أعد قادر على "تكبير الدماغ" أو "التطنيش"، وأعطيكم مثال بسيط كأن أرى سيارة أمامي فجأة جنحت يمينا أو يساراً بدون إعطاء إشارة ضوئية لتنبيه من خلفها من السيارة بنيتها المبيتة لفعل ذلك، أو أن تتوقف فجأة بدون سابق إنذار...تجدني وقد أصابتني رغبة قوية لضرب قائد تلك السيارة قفا أو شلوت لكي لا يفعلها ثانية، وبالطبع أنا لا أفعل ذلك وإلا كنت من نزلاء القصر العيني كل يوم متأثراً "ببوكس" في عيني أو كسر ذارع أو رجل، لذلك لا يكون أمامي إلا إعلان رفضي بشكل "كلاكس" طويل أو نظرة "بقرف" والسلام...

تصرف آخر لنوعية من البشر يرون الشوارع والطرق صندوق "زبالة" كبير ومن حقهم رمي "زبالتهم" أو أي شيء في الشارع بدون أي مراعاة للذوق أو التفكير في إلقاءها في صندوق القمامة الذي يكون على بعد خطوات، وليس الحجة أن نقول "مهو كله بيرمي" فلو أن كل واحد أخرج نفسه من هذه الـ "كله" لتناقص العدد واختفت هذه الظاهرة للأبد. وجرب أن تأتي وتحاول أن تقول كلمة نُصح أو أن توجه شخص من هؤلاء، سيكون نصيبك في أقل الأحوال إشعارك أنك كائن من كوكب ثاني أو شخص مختل وعبيط.

والعجيب أن تجد الناس شيئاً فشيئاً اعتادوا مثل هذه التصرفات الخاطئة واعتادتها أعينهم فصاروا لا يتضررون منها أو يشغلوا بالهم بمحاولة تصحيحها، بل صار من يطالب بذلك أو يعلن رفضه لها هو نفسه الشاذ أو غاوي وجه دماغ!

وهذا ما أسميه "اعتياد اللا معتاد" أوالتأقلم والعيش مع الخطأ وهو كذلك أمر معدي وكأنه أصبح جزأ من التركيبة الجينية للمجتمع. فترى بلادة و "تناحة" في التعامل مع كثير من الأمور حتى تلك التي تتعلق بمستقبل بلدنا وأولادنا. فهذا الجين الجديد أصبح ينتقل بين كثير من المصريين في سرعة وهدوء، وربما من المفيد أن نعبأ هذا الجين في حقن ونقوم بإعطاءها للخرفان والبهائم قبل ذبحها حتى لا "ترفس" و "تشلت" وتموت في سكينة!

جرب أن تطفأ نور غرفتك واجلس قليلاً في الظلام...ما الذي سيحدث؟
ستجد أنك بعد قليل اعتادت عينيك الظلام وصرت تتكيف معه، وهذا ما يحدث تماماً عندما نعتاد الخطأ أو نراه شيء بسيط لا يدعو للضيق أو الرفض، يستفحل ويستشري في كل شيء بينما نحن نيام بفعل هذا الجين الخبيث.

أقول يجب أن نبدأ في مراجعة تصرفاتنا ونتخلص من كل ما قد يكون له علاقة بجين البلادة هذا، وبالطبع ليست هذه دعوة لنبذ التسامح أو العفو فهو أساس كل الأديان السماوية... ولكن العفو والتسامح يكون عند المقدرة وليس أن نخنع ونستسلم ونقول "يا عم فوت"!



تعليقات

‏قال نجوى
اوافقك الرأى تماما يجب ان يكون بداخلنا القدرة والتصميم على التغيير وان نقول لا بقوة في وجه كل الأوضاع الخاطئة .
احب ان اذكر حضرتك بي انا معلمة رياض الأطفال التي وجهت استغاثة للمسئولين من خلال مدونتك بسبب تأخير الترقيات وضياع الحقوق الأدبية في خضم القوانين الجديدة للكادر ولن انسى موقفك من التعليق حيث قمت بنشره كاملا وتفضلت بالكتابة ايضا عنه اخيرا ياسيدي الفاضل تم الإعتراف بي كمعلمة اولى ونلت ترقيتي حيث تمت المساواة بيني وبين باقي المعلمات اللاتي تمت ترقيتهن قبل الكادر من دفعة 97 لن اطيل عليك اكثر من ذلك واحب ان اشكرك كثيرا فلن انسى كم التفاؤل الذي شعرت به حينما قرات ردك على تعليقي شعرت انها ستفرج بإذن الله وقد كان
اشكرك مرة اخرى واخيرا استودعك الله
‏قال شوارعي
بداية ألف مبروك لكي على الترقية ودوماً تحققين كل نجاح وبالتأكيد لا يضيع حق وراءه مطالب...

ثايناً أنا لم أفعل شيء يستحق الشكر وكل ما قمت به هو نقل كلامك وكنت أتمنى أن يكون هناك صدى سريع له...

تحياتي